هبة الله بن علي الحسني العلوي
المقدمة 112
أمالي ابن الشجري
مصادر ابن الشجري جاء ابن الشجري وقد استوى النحو العربي على سوقه أو كاد ، فقد فرغ النحاة من وضع الأصول وبسط الفروع ، ولم يكد أبو الفتح ابن جنى يضع قلمه المبدع بعد هذه التصانيف الجياد التي نفذ بها إلى أسرار العربية ، حتى كان هذا إيذانا ببدء مرحلة جديدة يعكف فيها النحاة على هذا الموروث العظيم الذي آل إليهم : كشفا عن أسراره ، ونفاذا إلى دقائقه ، وتنبيها على غوامضه ، واستدراكا لفائته . ونعم كان للجيل الذي تلا ابن جنى ، ولجيل ابن الشجري آراء مبتكرة ، والعربية فسيحة الأرجاء ، متراحبة الأطراف ، وقد يفتح اللّه على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل ، ولكن يظل الفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما ترى من الفرق بين الجدول الصغير والبحر الزخّار ، ولو أتيح لكل مصنّفات الأوائل أن تذيع وتنتشر ، لعرفت صدق ما أقول . وما أريد أن أسلب الأجيال الخالفة حقها ، فما إلى هذا قصدت ، وما أنا بمستطيعه ، ولكني أريد أن أدل على عظمة الأوائل الذين عرفوا للغتهم حقّها ، من دقة النظر وحسن الفقه ، وكريم الرعاية ، ثم ما كان لنا أن نفقه سرّ العربية ونقف على دقائقها لولا جهود هذه الأجيال اللاحقة التي جمعت الوجوه ، ورصدت النظائر ، ثم أحسنت التبويب والتأليف . وابن الشجري واحد من هذا النفر الكريم الذين أحسنوا النظر في ذلك الحصاد الطيب الذي سبق به الأوائل ، وعكف عليه : شارحا ومفسّرا ، ومتعقّبا وناقدا ، ومضيفا ومستدركا . وقد كانت أمالي ابن الشجري معرضا لآراء أعلام النحاة ، على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم ، وقد نقل ابن الشجري كثيرا عن أعلام النحو واللغة المتقدمين ، وتظهر أهمية هذه النقول فيما حكاه عن كتبهم المفقودة ، من مثل كتاب « الأوسط » للأخفش سعيد بن مسعدة ، و « الواسط » لأبى بكر بن الأنباري ، وبعض كتب أبى على الفارسي ، وما إليها ، ثم فيما حكاه عن سيبويه والمبرد ، مما ليس يوجد في المطبوع من « الكتاب والمقتضب والكامل » .